الملا فتح الله الكاشاني

33

زبدة التفاسير

سبيل الخير ، وأرشد بنيه إلى الحقّ ، وحثّهم على البرّ ، وقصد بهم أن يكونوا عبادا للَّه مطيعين ، شفعاء له يوم الدين . وقيل : الاستثناء من قبيل قوله : تحيّة بينهم ضرب وجيع « 1 » . وبيانه أن يقال لك : هل لزيد مال وبنون ؟ فتقول : ماله وبنوه سلامة قلبه . تريد نفي المال والبنين عنه ، وإثبات سلامة القلب له بدلا عن ذلك . وإن شئت حملت الكلام على المعنى ، وجعلت المال والبنين في معنى الغنى . كأنّه قيل : يوم لا ينفع غنى إلَّا غنى من أتى اللَّه بقلب سليم ، لأنّ غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه ، كما أنّ غناه في دنياه بماله وبنيه . ولك أن تجعل الاستثناء منقطعا . والمعنى : أنّ المال والبنين لا ينفعان ، ولكن سلامة القلب عن الكفر والمعاصي وسائر آفاته ينفع صاحبه . وقيل : معناه : إلَّا من أتى اللَّه بقلب سليم من فتنة المال والبنين . وقيل : القلب السليم الَّذي سلم وسلَّم وأسلم وسالم واستسلم . وعن الصادق عليه السّلام : « هو القلب الَّذي سلم من حبّ الدنيا » . وإنّما خصّ القلب بالسلامة ، لأنّه إذا سلم سلمت سائر الجوارح من الفساد ، من حيث إنّ الفساد بالجارحة لا يكون إلَّا عن قصد بالقلب الفاسد . وما أحسن ما رتّب إبراهيم عليه السّلام كلامه مع المشركين ، حين سألهم أوّلا عمّا يعبدون سؤال مقرّر لا مستفهم . ثمّ أقبل على آلهتهم فأبطل أمرها ، بأنّها لا تضرّ ولا تنفع ، ولا تبصر ولا تسمع ، على تقليدهم آباءهم الأقدمين . فأخرجه من أن يكون شبهة ، فضلا عن أن يكون حجّة . ثمّ صوّر المسألة في نفسه دونهم ، حتّى تخلَّص منها إلى ذكر اللَّه عزّ وجل ، فعظَّم شأنه ، وعدّد نعمته من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته ، مع ما يرجى في الآخرة

--> ( 1 ) لعمرو بن معد يكرب . وصدره : وخيل قد دلفت لها بخيل .